تزداد عمليات القرصنة الفكرية مع ازدياد حاجة الناس لاستخدام أساليب التقنيات الحديثة، واستحداث برامج مختلفة لأجهزة الحاسب الآلي والتعامل مع شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت). ورغم التحذيرات المتكررة من قبل المنظمات المعنية بضرورة قيام الحكومات والجهات المعنية بالتدخل للحد من هذه الانتهاكات، إلا إننا نقرأ بين حين وآخر قيام مجموعة من الأشخاص بعمليات القرصنة سواء للأشرطة أو إسطوانات الدمج أو نسخ برامج لألعاب لمنتجات تملك الشركات الغربية والأمريكية حقوق طبعها ونشرها فقط، وتقوم بمصادرتها أو إتلافها أمام وسائل الإعلام المتاحة.
ولكن ما يحير المرء في هذا الأمر هو قيام بعض الدول كدولنا في المنطقة بتطبيق قوانين صارمة لمحاربة هذه القرصنة تجاه العديد من أنواع المنتجات المقلدة، في الوقت الذي نجد دولا في العالم تقوم ببيع هذه المنتجات من البرامج والاسطوانات في محلات ومراكز مرموقة على مرأى من ملايين البشر دون أن يكون هناك أي تدخل من قبل أجهزتها، بل أن الأمر ينسحب أيضا على بعض الدول المتقدمة أيضا حيث تقوم بعض شركاتها بعمليات القرصنة الفكرية، إلا أن الضغوط الممارسة عليها أقل بكثير مما نراه هنا في المنطقة، الأمر الذي يعطي انطباعا مغايرا للمواطن في المنطقة بأن الدول المصنعة لتلك البرامج همها ألا تفقد سوقها في هذه المنطقة فقط، تاركة الساحة للمؤسسات التي تقوم بتقليد تلك المنتجات في بعض الدول خاصة الآسيوية منها للقيام بهذه المهمة دون أي رقيب.
كما من الملاحظ أيضا أن معظم المنتجات المقلدة والمباعة في تلك الدول وفي دولنا أيضا هي عبارة عن برامج ألعاب تسلية ونسخ لأفلام تتحدث عن صراعات وحركات بهلوانية تعبر عن الثقافة الأمريكية والغربية، والتي تكون خلاصتها بأن يبقى الفائز في النهاية هي الشخصية الغربية أو البطل الأمريكي، الأمر الذي يؤكد بأن تلك الدول تغض بصرها ولا تعطي أية اهتمام تجاه إنتاج ونسخ تلك الأفلام الترفيهية والاسطوانات المدمجة، والتي تعمل على انتشارها في ظل لأجواء التجارية المفتوحة وفي سياق العولمة الثقافية التي تؤكد على ضرورة دفع الشعوب لاستيعابها لتلك الثقافة بطرق مختلفة سواء بالترغيب أو الترهيب، حتى وإن كانت تؤدي إلى حدوث بعض الخسائر للشركات التي تمتلك حقوق الطبع والنشر لها.
أما فيما يتعلق بإنتاج البرامج الجادة لتي تهتم بقضايا العلم والمعرفة والاختراعات الجديدة والثقافة الحقيقية فإن على جميع الدول سواء في المنطقة أو خارجها بأن تلتزم بضرورة محاربة هذه القرصنة حتى لا يصل الباحث في تلك الدول إلى استنتاجات علمية معينة تؤدي في النهاية إلى بروز تلك الشخصيات وتلك الدول في المجالات العلمية البحتة، في الوقت الذي نرى فيه أن الدول المتقدمة تنادي عبر المنابر الأممية بضرورة تسليح الدول الفقيرة أو النامية بالعلم ودفعها لاستخدام التقنيات والبرامج الحديثة في معاهدها وجامعاتها للاستفادة منها في تثقيف شعوبها ، مؤكدة أن تلك البرامج والمبادرات تهدف إلى توفير مقومات التحول نحو مجتمع رقمي نموذجي يعتمد على المعرفة، بينما نرى في الوقت نفسه تحد من استخدام تلك البرامج العلمية المستنسخة في جامعاتها و بين طلابها إلا من خلال شراء نسخ أصلية جديدة، وهي تعلم جيدا عدم مقدرة الطالب الفقير من اقتناء إسطوانة أصلية تصل قيمتها إلى 30 دولارا أميركيا أو أكثر، في الوقت الذي يمكن من خلال الاستنساخ أن يوفر هذا الطالب لنفسه الاسطوانة المطلوبة بدولار واحد فقط.
إن هذا الأمر أصبح مكشوفا لدى الكثير من المتابعين والمهتمين تجاه قضايا الملكية الفكرية بأن الدول الغربية وأميركا لا تمانع من تصدير الثقافة الرخيصة، بينما تؤكد على ضرورة مكافحة القرصنة في مجال المعلومات والثقافة القيمة من خلال إجبار الآخرين بشراء أصل تلك البرامج، وهي تعلم جيدا عدم مقدرة الكثير من الشعوب تجاه تلك المطالبات.
ما نثيره هنا أيضا هي إدعاءات تلك الشركات الأجنبية التي تؤكد في بياناتها عن حجم الخسائر التي تلحق بها من جراء القرصنة الفكرية. فقد ذكر اتحاد منتجي البرامج التجارية مؤخرا إن حجم الخسارة التي تتكبدها شركات برامج الكمبيوتر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بسبب السرقات ارتفع خلال العام الماضي بالرغم من أن بعض الدول عززت جهود كبح هذه التجارة غير القانونية، حيث زادت الخسائر الناجمة عن نسخ برامج الكمبيوتر بشكل غير قانوني إلى 1.2 مليار دولار في 2004 من مليار دولار في 2003 رغم انخفاض حجم النسخ المقلدة بالنسبة لمبيعات البرامج الكلية. ولا شك أن إسماء دول مجلس التعاون الخليجي تأتي دائما بين الدول التي ما زال يمارس بها القرصنة الفكرية ، إلا أن حدة الإنتقاد قلّ خلال السنوات الثلاثة الماضية حيث تؤكد البيانات بأنها مستمرة في محاربة هذه القرصنة ، وأنها حققت تقدما كبيرا في هذا الاتجاه بفضل قوانين حماية الملكية الفكرية في تلك الدول.
ويرى البعض هنا بأن دول المنطقة تطبق القوانين أكثر مما نراه في كثير من دول العالم التي تنتهك فيها قوانين الملكية الفكرية. ولا شك أن هذه المعادلة تتطلب حلا حيث أن منع المؤسسات في الدول النامية بنسخ برامج معينة خاصة التعليمية منها يعني تأخر تلك الدول في اللحاق بركب الحضارة المتقدمة في ظل التقنيات الحديثة، وهذه إشكالية تتطلب النظر بها من قبل المختصين ومن أولئك الذين يعملون في مؤسسات حماية الملكية الفكرية، وعما إذا كانت تلك الانتهاكات للبرامج تمثل تحدياً كبيراً للاقتصاد العالمي كما يدعون بذلك في مختلف المناسبات، في الوقت الذي نرى يوميا حدوث عشرات الانتهاكات من قبل الدول المتقدمة وأسلحتها الفتاكة ضد أناس أبرياء من نساء وأطفال خلقهم الله في أحسن صوره.
إن الغرب استطاع أن يقنع الكثير من الدول في العالم بأن حماية حقوق الملكية الفكرية تعد أحد العوامل الأساسية في إرساء دعائم الإقتصاد الوطني لتلك الدول وتحقيق مكانة مرموقة على الصعيد العالمي، والكثير يتساءلون أين كانت هذه الدول عندما كانت تقوم بسرقة خيرات ومقدرات وثروات تلك الشعوب خلال القرون الثلاثة الماضية سواء من مواد أولية هامة ونباتات و ثروات من الذهب والألماس والنفط وغيرها؟ ولماذا لا تقم تلك الدول حينها بوضع اعتبارات لتلك الثروات في الوقت الذي لا تكف عن تطبيق إجراءات صارمة تجاه دولة يقوم بعض أفرادها بنسخ أو تقليد برامج علمية للاستفادة منها في الأغراض التعليمية أو البحثية؟
منقول
